الجزء الأول

تمهيد وبطاقة تعريف
ليست تابونت مجرد رقعة جغرافية على الضفة الجنوبية لمدينة ورزازات، بل هي ذاكرة جماعية حيّة، وهوية متجذّرة في التاريخ.
بحسب المعطيات المحيّنة، يعرف المجال الديمغرافي لتابونت وترميكت تطوراً ملحوظاً، حيث يبلغ:
عدد سكان دوار تابونت: 10.488 نسمة
عدد سكان المركز الحضري لتابونت: 37.465 نسمة
عدد سكان جماعة ترميكت: 46.963 نسمة
عدد سكان دائرة ورزازات: 116.776 نسمة
عدد سكان إقليم ورزازات: 304.932 نسمة
عدد سكان جهة درعة تافيلالت: 1.655.623 نسمة
وإذا عدنا إلى إحصاء سنة 2004، نجد أن عدد سكان تابونت لم يكن يتجاوز 4.258 نسمة موزعين على حوالي 740 أسرة. هذا التحول الديمغرافي يعكس انتقال تابونت من دوار تقليدي محصّن بسور إلى مركز حضري نابض بالحياة، يحتفظ بروحه الأصيلة ويواكب دينامية التوسع العمراني.
تقع تابونت، أو كما يسميها أهلها “تمونت”، ضمن النفوذ الترابي لـ جماعة ترميكت، وقد كانت تحتضن مقر رئاسة المجلس الجماعي إلى غاية سنة 1976، قبل أن تتغير الخريطة الإدارية والعمرانية بالشكل الذي نراه اليوم.
أصل التسمية… حكاية “تارميت”
يرتبط اسم ترميكت، حسب الروايات الشفوية المتداولة، بسيدة نصرانية كانت تقيم بالمنطقة إبان فترة الحماية الفرنسية، وعُرفت محلياً باسم “تارميت” بلسان تشلحيت. ويُحكى أنها ساهمت في بناء ساقية لجلب المياه من أعالي ورزازات، تحديداً من منطقة تفولتوت قرب سد “تلي صغير”، والتي كانت آنذاك ضمن نفوذ أيت زينب، لسقي الأراضي الفلاحية.
صعوبة نطق اسمها الحقيقي جعل الساكنة تطلق عليها لقب “تارميت”، ومن هنا شاع اسم “تارميكت” الذي أصبح لاحقاً اسماً رسمياً للجماعة، ممتداً ليشمل عدة دواوير ومناطق شكلت نواة الامتداد العمراني لورزازات الكبرى.
إشعاع قديم… القضاء والعلم
عرفت تابونت إشعاعاً مبكراً، ويرجع ذلك إلى احتضانها لمقر القاضي المقيم بورزازات، المرتبط بـ الزاوية الناصرية.
كان القاضي يمارس مهامه بمساعدة كاتبه الخاص، الفقيه الجليل لحسن بن علي أيت عمي حمو رحمه الله، المنحدر من دوار تابونت، والذي كان يتولى تحرير محاضر الجلسات والعقود، خصوصاً عقود الزواج.
هذا الحضور العلمي والقضائي منح للدوار مكانة متميزة داخل المجال، وجعل منه مركزاً حيوياً على المستويين الديني والإداري.
من أوائل المستفيدين من الكهرباء
بفضل هذه المكانة، استفادت تابونت من الشبكة الوطنية للكهرباء في خمسينيات القرن الماضي، فكانت من أوائل المراكز بمنطقة ورزازات التي دخلتها هذه الخدمة الحيوية.
استفاد مسجد تابونت وبعض البيوت المجاورة أولاً، قبل أن تعم الكهرباء باقي الدوار القديم المحصن بسور وقائي، الذي كان يتوفر على مدخلين رئيسيين:
باب أمي نوفلا (الباب الفوقاني)
باب أمي نيزدار (الباب التحتاني)
وهو ما يعكس البنية العمرانية التقليدية التي كانت تؤطر الحياة اليومية داخل فضاء منظم ومحصن.
أنشطة السكان… اقتصاد وهوية
تميّزت تابونت قديماً بتنوع أنشطتها الاقتصادية، ومن أبرزها:
الدباغة
التجارة
الفلاحة
إلى جانب حضور ثقافي ورياضي ملحوظ، واهتمام ديني متجذر، حيث تحتضن مدرسة قرآنية عريقة تابعة للأوقاف والشؤون الإسلامية، مرتبطة بالزاوية الناصرية، وكانت تستقطب عدداً مهماً من طلبة العلوم الشرعية.
تمونت… هوية لا تختزل في الأرقام
تابونت ليست مجرد موقع على الخريطة، ولا مجرد أرقام في سجل الإحصاء. إنها ذاكرة ممتدة، ومجتمع جمع بين الأصالة والانفتاح، وبين العلم والعمل، وبين السور القديم وروح الحداثة.
هي تمونت… التي كلما عدنا إلى تفاصيلها، أدركنا أننا لا نحكي عن مكان فقط، بل عن هوية كاملة تسكن أبناءها أينما حلّوا.
خاتمة: رسالة من القلب
كتابة هذا المقال لم تكن سهلة… يومياً أقضي ساعات طويلة في البحث والتحقق من المعلومات، ومن ثم صياغتها بدقة، لأقدم لكم صورة حقيقية عن تابونت، تاريخها، وهوية أهلها.
هذا الجزء الأول ما هو إلا البداية، وما زال هناك العديد من القصص والتفاصيل التاريخية التي أطمح لمشاركتها معكم لاحقاً. دعمكم وتشجيعكم يمثل لي مصدر قوة وإلهام لمواصلة العمل وإخراج باقي المقالات بنفس الاحترافية والدقة.
إذا أعجبكم هذا المقال، شاركوه مع أصدقائكم، واتركوا تعليقاً، فكل دعم مهما كان صغيراً يصنع فرقاً كبيراً.
الجزء الثاني

إذا كان الجزء الأول قد توقف عند البنية التاريخية والدينية لتابونت، فإن هذا الجزء يفتح صفحة أخرى لا تقل إشعاعاً: صفحة حين كانت الأزقة تحفظ أسماء أهلها
تابونت لم تكن مجرد تجمع سكني، بل كانت نظاماً اجتماعياً متكاملاً، تُعرَف فيه الأزقة بأهلها، وتُعرَف الأبواب بحكاياتها، وتُحفظ الأماكن بالأسماء قبل الخرائط.
الأبواب… ذاكرة العبور والحراسة
من بين الأبواب البارزة، الباب الفوقاني “إمي نوفلا”، والباب التحتاني “إمي نيزدار”.
بين دار آيت ملوك وخوختو ودار المرحوم الهاشمي بن عبد القادر العيساوي ودار المرحوم السي بوهو (عبد العاطي)، كان هناك باب يؤدي مباشرة إلى “إمي نوفلا”، حيث يوجد اليوم مقر جمعية النادي الثقافي “تكمي نتقبيليت”، والذي كان قبل ذلك نادياً نسوياً.
ذلك المكان لم يكن عادياً، فقد كانت فيه دار القبيلة، المخصصة لتجميع الأغنام والمواشي قبل خروجها للرعي. وكانت تابونت تتوفر آنذاك على راعيين اثنين (إكساون)، تؤدي لهما القبيلة أجرتهما مقابل رعي ماشيتها. هكذا كان التنظيم، وهكذا كانت المسؤولية جماعية.
أما عند الباب التحتاني “إمي نيزدار”، فكانت الحياة تنبض بشكل مختلف. بجواره بئر يزود المسجد والساكنة بالماء، ودرج متوسط يجلس عليه الحراس وبعض الرجال، يمارسون لعبة الورق و”الضامة”، ويراقبون المارة ويفتشون الداخلين والخارجين. كانت هناك أيضاً ساحة صغيرة شُيدت على أنقاضها لاحقاً دار المرحوم أدى أحمد نيت زينب.
وعلى رأس السور المرتبط بدار الدبغ، كان يوجد برج للمراقبة كما يُحكى، وفي مكانه اليوم مرافق المسجد وموضع الوضوء. هكذا تتغير المعالم، لكن تبقى الذاكرة شاهدة.
الأزقة… خريطة اجتماعية حيّة
زنقة بين دار المرحوم أدى سالم (سوميك حالياً) ودار المرحوم أدى حمو نايت با ودار المرحومة عائشة بنت عبد الرحمن (أدى حما نايت أشي رحو)، كانت تنتهي بباب يؤدي إلى “ارحبي نحمو”.
الشارع الرئيسي للمدشر كان شريان الحياة. منه تتفرع الاتجاهات نحو:
تيشنباش
ارحبي نتكرامت
إمي نتسوقت
وقبل الوصول إلى “إمي نتسوقت”، باب يؤدي إلى داخل قصبة المرحوم الفقيه السي لحسن آلي آيت عمي حمو، الذي كان الكاتب الخاص للقاضي المقيم بالزاوية الناصرية “ناصر”. ومن هناك تمتد الأزقة نحو “كر تابونين” و”ارحبي حمو”.
في يمين “إمي نتسوقت” شارع يصل إلى آيت آمالي (فاضمة بنت علي)، وقبل الوصول إليها زقاق صغير يؤدي إلى دار المرحوم أدى حمد زورقي.
وبين المسجد القديم ودار آيت إحيشي ودار للا رقية نيت سيدي حدو، باب يفتح نحو الفدادين (البساتين) و”تسوكت نايت آلي” و”أرتي نيت القاضي” وصولاً إلى الزاوية الناصرية حيث مقر القاضي.
ومن جهة أخرى، باب بين دار أدى بوهو وسع والمرحوم السي عبد الله نيت واسع يؤدي كذلك إلى آيت آمالي والزاوية الناصرية.
الأضرحة والساحات… روح المكان
في يسار الشارع الرئيسي، زنقة تؤدي إلى أضرحة:
سيدي عبد الله أو الحساين
سيدي يحيى أو علي
سيدي جعفر داخل دار أمنغاز
ويتوسط هذه الأضرحة فضاء واسع كانت تُقام فيه الطقوس الدينية، وحفلات الزواج والختان الجماعي، على غرار ساحة “ارحبي نتكرامت”. ومن رأس هذه الساحة زنقة أخرى تقود إلى “كر تابونين”، الساحة الثانية بعد الأولى.
أما ساحة “ارحبي نتمراست”، فكانت مسرحاً مفتوحاً للفرجة في عيد المولد النبوي، حيث ألعاب “الرما” البهلوانية، ورقصات أحواش، في أجواء تضامن وفرح جماعي.
الشعاب والماء… و”امناز”
الشعاب مثل تلات نيكياض، تلات نايت الزي، وتلات نتموشي، كانت تصب في ساقية تابونت والفدادين.
أما “امناز”، فكان ملتقى مياه الأمطار، ومتنفس الأطفال في الصيف. هناك كانت تُقام مسابقة عفوية لصناعة “الأجور” (الطوب)، ضمن تقليد “التويزة”، حيث يشارك الجميع في البناء دون حسابات ضيقة أو محسوبية. كانت الأولوية تُحترم، والنية صافية، والعمل جماعي.
الطريق والقنطرة… حين انقسمت تابونت
سنة 1962، ومع شق الطريق الجديدة وبناء القنطرة، تغير شكل تابونت.
الوادي الذي كان يفصل بين الضفتين ويغمر الطريق القديمة وقت الفيضانات، أصبح محكوماً بمنشأة حديثة. لكن ذلك أدى أيضاً إلى انفصال جغرافي بين أجزاء البلدة.
كل الأراضي في الضفة الشرقية كانت تعود ملكيتها لأهل تابونت، ومنها موقع فندق “واحة درعة” إلى حدود فدان “بلغزي” الذي كان في ملكية المرحوم محمد بن علي أوهموش، إضافة إلى أراضي المرحوم الحسين أكزار الملقب بـ”با”، قبل أن تنتقل الملكيات لاحقاً إلى عائلة بولغراض والمرحوم عبد السلام التلمساني. ومن جهة أخرى آيت شمان أيت اروي
تابونت لم تكن فقط بيوتاً وأزقة.
كانت نظام حراسة، وتنظيم رعي، وساحات فرجة، وأضرحة بركة، و”تويزة” تجمع القلوب قبل الأيادي.
كانت زمناً تُعرف فيه الزنقة باسم أهلها، ويُعرف الباب بحارسه، وتُعرف الساحة بضحكات أطفالها.
ذاكرة تابونت ليست حنيناً فقط… بل درس في التضامن والهوية والانتماء
وهكذا تبقى هذه الفضاءات شاهدة على روح التضامن والتآزر التي ميّزت تابونت عبر السنين، حيث لم تكن الأماكن مجرد حجارة وأسوار، بل كانت ذاكرة حيّة تحفظ قصص الناس وتفاصيل حياتهم اليومية. ومن هنا ننتقل في الجزء الثالث إلى الحديث عن ركيزتين أساسيتين في تاريخ الدوار، وهما النادي الثقافي والمدرسة القرآنية (العلم)، باعتبارهما القلب النابض للتعليم والثقافة داخل المجتمع.
اعتماداً على روايات السيد محمد بنجاعفار